عماد الدين خليل

301

دراسة في السيرة

الفصل العاشر حركة النفاق في العصر المدني [ 1 ] لا يمكن أن نتفهم حركة النفاق جيدا إلا إذا أدركنا بعديها النفسي والاجتماعي . فأما بعدها الأول فيتمثل في أن عددا من الناس ، على مدار التاريخ ، يسوقهم تكوينهم النفسي - الذي هو حصيلة المؤثرات البيئية والوراثية - إلى اتخاذ ( موقفين ) إزاء القضية الواحدة ، أحدهما ظاهر والآخر باطن ، فيعلنون غير ما يكتمون ، ويقولون غير ما يفعلون ، ويدفعهم الخوف الذي يتصورونه جاثما عليهم في كل لحظة ، إلى تغطية بواطنهم بأستار ظاهرية يختبئون خلفها علّها تحميهم من الانكشاف ، وهم إذا ما خلوا إلى نفوسهم ، وشعروا أنهم غدوا بمنأى عما يخيفهم ، دفعوا الأستار جانبا وظهروا على حقيقتهم . ويبدأ هذا الازدواج والقلق والثنائية في اتخاذ المواقف بسيطا غير معقد هدفه تحقيق مصلحة فردية أو جماعية ، أو دفع أذى ، إلا أن ممارسته طويلا تقود إلى استمرائه واعتياده ، وسرعان ما يغدو جزآ أصيلا من التكوين النفسي للإنسان . ويتطرف الازدواج لدى البعض أحيانا حتى يغدو ظاهرة مرضية يسميها علماء النفس ( انفصام الشخصية ) حيث تنقطع الخيوط كلية بين الظاهر والباطن ، وتزول عوامل الارتباط في كيان الإنسان ، وتتفكك الذات المتوحدة إلى شخصيتين أو أكثر ، ويفقد الفرد كليّة القدرة على تحديد موقفه إزاء مجريات الأحداث التي لا تكف عن التمخض والحركة ، ويغدو - بتعبير الرسول صلى اللّه عليه وسلم - ( أمّعة . يقول : أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤا أسأت ) . ويقودنا البعد الاجتماعي لظاهرة النفاق إلى طبيعة تكوين المجتمع العربي